أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / أخبار محلية / المسيحيّة الصهيونيّة وحرب غزة

المسيحيّة الصهيونيّة وحرب غزة

اقليم تهامة ـ د. ثابت الأحمدي

قد يبدو العنوانُ غريبًا بعض الشيء على البعض؛ كون المسيحية شيء، والصهيونية شيء آخر في الأساس؛ لكن لا غرابة في عالم السياسة وعوالمها. إنهما خليطان من بعض.
بحسب الدكتور يوسف الحسن في دراسته الأكاديمية البُعد الديني في السياسة الأمريكيّة تجاه الصراع العربي الصهيوني: الصهيونية المسيحية مجموعة المعتقدات الصهيونية المنتشرة بين مسيحيين، وبخاصة بين قيادات وأتباع كنائس بروتستانتية، والتي تهدف إلى قيام دولة يهودية في فلسطين، بوصفها حقا تاريخيا ودينيا لليهود. ص: 12. وكذلك يرى الإنجيليون المعاصرون الذين تشكلوا من عدة كنائس بروتستانتية معاصرة، وتحديدا في القرن الثامن عشر الميلادي في أمريكا بدرجة رئيسية، وانتحوا في معتقداتهم منحًى راديكاليا، فأصبحوا ــ من ثم ــ إلى الصهيونية اليهودية أقرب منهم إلى المسيحية البروتستانتية التي تحدروا منها، ناهيك عن المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية.! مع أن هذه الفكرة تتعارض مع ما يذهب إليه مثلا القديس أوغسطين، ت. 430م الذي كان يرى في فلسطين حقا دينيا للمسيحيين، لا لليهود. وأوغسطين مرجعية دينية كبرى في الفكر المسيحي الوسيط، وفي الفلسفة أيضا؛ بل ومع العقيدة الجوهرية الثابتة في الفكر المسيحي أن اليهود هم أعداء المسيح وقتلته، والأهم مع الموقف الديني الصارم الذي كانت تتبناه الكنيسة الأرثوذكسية حتى وقت قريب من عدم الاعتراف بالعقيدة اليهودية حتى تعترف هي بالمسيحية..!
وباستقراء الأدبيات الدينية المسيحية القديمة وحتى مرحلة ما بعد الإصلاح البروتستانتي لا نكاد نعثر على نص واضح وصريح يشير إلى ارتباط اليهود بفلسطين؛ إنما إلى المسيحيين، ويعرف الجميع كيف استماتت عليها أوروبا الصليبية في حملاتها التسع، وأعلنت الحج المسلح إليها، حماية للمسيحيين من الاضطهاد حد ادعائهم، وإن كان البعد الاقتصادي حاضرا بقوة في العملية.

مسيحيّة صهيونيّة؟ أم صليبيّة جديدة؟!
من الذي يحارب الفلسطينيين منذ العام 48م وحتى اليوم؟ هل هم اليهود الصهاينة لوحدهم؟ أم إلى جانبهم آخرون؟
الواقع أن المسيحية الصهيونية هي المجرم الأول في المأساة الفلسطينيّة منذ عام النكبة الأول وحتى اليوم، ولولا المسيحية الصهيونية لما نشأ الكيان الصهيوني في فلسطين أساسا، ولما تعملقت حتى وصلت إلى هذا المستوى من القوة. ليس كذلك فحسب، فالذي غزا العراق ودمرها ليس اليهودية، ولكن المسيحية الصهيونية، بعد أن تأكدت أن نظام صدام حسين مستعصٍ على الطاعة، ومارق عن الشرعية الدولية حسب التعبير الأمريكي السائد، والشرعية الدولية في عمقها البؤري هي المسيحية الصهيونية واليهودية الصهيونية لا أكثر، مع إدراك هؤلاء الكرادلة أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل؛ لكن لديه من الأدمغة والعقول ما يمكنه من صناعة هذا السلاح الذي سيصبح مصدر تهديد لإسرائيل في المنطقة، وهذا يتقاطع كليا والسياسة الأمريكية التي تنسى مصالح الشعب الأمريكي أحيانا مقابل تقديم مصالح الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط.
وبحسب البروفيسور الأمريكي توماس ستوفر، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد الأمريكية: منذ العام 49 وإلى العام 2002م، فإن أمريكا قد دعمت إسرائيل بما يزيد عن ثلاثة آلاف مليار دولار، من عَرَقِ وكدِّ دافعي الضرائب الأمريكيين، نصيب كل يهودي في فلسطين أكثر من مليون و70 ألف دولار..! علمًا أن أكبر نسبة تشرد لما يُعرف بـ “Homelesse” هم في أمريكا، وتحديدا في هوليود، من الفقراء الأمريكيين المعدمين الذين يسكنون أرصفة الشوارع على طول العام، وبالتالي فهم الأولى بهذه المبالغ المهولة.
ورغم تناقضات النصوص الدينية اليهودية مع النصوص الدينية المسيحية، إلا أن المسيحية الصهيونية قد تبنت عقيدة تأويلية جديدة، هي خليط من الدين والسياسة، جعلت من العقيدتين توأمًا واحدًا، تحت مزعوم أن عودة المسيح مقترنة بقيام دولة اليهود في فلسطين، وأن مؤشرين اثنين من أصل ثلاثة مؤشرات قد تحققت حتى الآن، ويجب التسريع بالثالث. هذه المؤشرات الثلاثة:
1ــ قيام دولة إسرائيل نفسها عام 48م.
2ــ احتلال القدس عام 67م.
3ــ تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل.
وهذا الثالث لم يتحقق بعد، وهو ما يجب السّعي حثيثا إليه. وتجدرُ الإشارة هنا إلى أن الذي قام بعملية حرق المسجد الأقصى في العام 67م مسيحي “مُتصهين” وليس يهوديا، من أجل تعجيل إرادة السماء في عودة المسيح، الخرافة المسيحية التي روجت لها الإنجيلية المعاصرة بقوة في الأوساط الأمريكية، وإن كانت لها جذورها الدينية القديمة، وتبناها من الساسة الكبار المعاصرين كل من: جورج بوش الابن، دونالد رامسفيلد، كونداليزا رايس، وديك تشيني وغيرهم. هؤلاء مسيحيون صهاينة..! وعلى ذكر جورج بوش الابن فإن 40% من أصوات الناخبين التي حصل عليها كانت من أتباع المسيحية الصهيونية الذين يزيد عددهم في أمريكا وحدها عن 40 مليونا، ويتمتعون بنفوذ إعلامي وثقافي كبيرين هناك. ويلفتُ انتباهنا الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ــ وهو ديموقراطي غير متصهين في مذكراته إلى أنه متعاطف مع اليهود، وأن تعاطفه معهم قد تشكل من المنهج المدرسي من طفولته!
وللقارئ أن يتخيل أنّ القس المعمداني “بارت روبرتسون” الذي توفي في 8 يونيو 2023م ــ وهو مسيحي متصهين ــ كان يحضر كل اجتماع يعقده مجلس الأمن القومي الأمريكي، وذلك حتى يأتي قرار المجلس متوافقا مع النبوءات الدينية التي تعتقدها المسيحية الصهيونية، كما ذكرت الكاتبة والباحثة الأمريكية “غريس هالسل”، والتي شرحت هذه المسألة وفصلتها من الداخل بقوة. وبات روبرتسون هذا أسس عام 1960م وكالة البث المسيحية (CBN) التي تحولت إلى إمبراطورية إعلامية ضخمة، وتحولت في السنوات الأخيرة إلى وكالة ضخمة تُشاهد برامجها في 180 دولة وتذاع برامجها بـ71 لغة عالمية!!
وثمة مسألة جوهريّة في عملية الصراع هذه تلفت انتباهنا إليه “هالسل” في كتابها المهم “النبوءة والسياسة”، وهي أن مسألة عودة اليهود إلى فلسطين التي تتحدث عنها نصوصُ التوراة قد انتهت أساسًا في الماضي السّحيق إبان عودتهم من السبي البابلي، سنة 538 ق. م، وليست اليوم، وهو ما يعني أن فكرة “أرض الميعاد” في الفكر اليهودي باطلة من أساسها، مشيرة إلى أن هذا المصطلح نفسه هو ذاته مصطلح “مملكة الله” في الفكر المسيحي، و “مملكة الله” حقيقة روحية موطنها القلب، لا جغرافيا بعينها، وهي الفكرة التي حاججَ بها البابا بيوس العاشر الذي زاره هرتزل عام 1903م، لكسب موافقته على المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، فرد عليه البابا: “أصبحت القدس مقدسة لعلاقتها بالمسيح، ونحن لا نطيق ولا نسمح لليهود هناك. اليهود لا يعترفون بمخلصنا، ونحن لا نعترف باليهود”. النبوءة والسياسة 7.
ويستوقفنا نص مهم هنا للفيلسوف المعاصر كارل ماركس في كتابه “المسألة اليهودية”، يشير فيه إلى ألا تلاقي بين العقيدتين أساسًا. يقول: “أكثر أشكال التناقض بين اليهودي والمسيحي صلابةً هو التناقض الديني”. أي العقيدة الدينية ذاتها. المسألة اليهودية، 10.
ومع هذا كله، ورغم النصوص المسيحيّة الدينية التي تشنع باليهود، منها كلام المسيح نفسه، فقد استطاعت المسيحية الصهيونية المعاصرة إعادة صياغة الفكر الديني من جديد؛ بل قل صناعة دين جديد هو في حقيقته نظرية سياسية مستندة على مفاهيم جديدة صاغها الساسة قبل رجال الدين أنفسهم، وروجوا لأفكار سياسية دينية، مثل حتمية “هرمجدون”، نسبة إلى سهل مجيد، بين عسقلان والقدس ضد “أعداء الله”، وأعداء الله هم من لا يؤمن بالعودة الثانية للمسيح.! وتقع المعركة المدمرة ونزول المسيح، ليحكم لمدة ألف عام قادم، بالعدالة المطلقة. والعجيب أن هناك من يروج لهذه الفكرة أيضا من المسلمين، وإن من وجهٍ آخر أيضا..!
باختصار المسيحيّة الصهيونية، ومعها الإنجيلية الحديثة تشبه الشيعة الخمينية المعاصرة في خلقها لصورة أخرى من الدين، خلقت لها أتباعا مؤمنين بالفكرة المحرفة التي يبذلون لها دماءهم وأموالهم..!
وأخيرًا.. خطر المسيحيّة الصهيونية لا يقلُّ عن خطر الصهيونية نفسها، وهي التي تشارك الصهيونية حرب غزة اليوم، وما لم تبادر الكنيسة الغربية اليوم إلى تقليم أظافر الوحش الذي يسكنها، من خلال عمليّة إصلاح ديني جديد، أساسها القيم الإنسانية المشتركة، وما لم يبادر ــ كذلك ــ عقلاء الساسة وصناع القرار العالمي لاستراتيجية عالمية جديدة فإنّ العنف والإرهاب سيظلان سيدي الزمان والمكان، ولن ينجوَ أي أحد من شظايا هذا العنف وشرره المتطاير، خاصة وثمة أزمات عالمية كبرى محدقة بكوكب الثمانية المليار.

شاهد أيضاً

رئيس الأركان يثمّن جهود اللجنة الطبية العسكرية في خدمة الجرحى وأسر الشهداء

اقليم تهامة ـ مارب ثمن رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن دكتور …